كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فقول هذا الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: للمهاجرين- هو النداء بالقومية العصبية بعينه، وقول النَّبي صلى الله عليه وسلم: «دعوها فإنها منتنة» يقتضي وجوب ترك النداء بها. لأن قوله: «دعوها» أمر صريح بتركها، والأمر المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما تقرر في الاصول. لأن الله يقوله: {فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63] ويقول لإبليس: {مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} [الأعراف: 12] فدل على أن مخالفة الأمر معصية. وقال تعالى عن نبيِّه موسى في خطابه لأخيه: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي} [طه: 93] فأطلق اسم المعصية على مخالفة الأمر: وقال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب: 36] فدلت الآية على أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم مانع من الاختيار، موجب للامتثال. لا سيما وقد أكد النَّبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر بالترك بقوله: «فإنها منتنة» وحسبك بالنتن موجبًا للتباعد لدلالته على الخبث البالغ.
فدل هذا الحديث الصحيح على أن النداء برابطة القومية لما أمر به النَّبي صلى الله عليه وسلم، ان فاعله يتعاطى المنتن، ولا شط أن المنتن خبيث، والله تعالى يقول: {الخبيثات لِلْخَبِيثِينَ} [النور: 26] الآية، ويقول: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث} [الأعراف: 157] وحديث جابر هذا الذي قدمناه عن البخاري أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه قال رحمه الله: حدثنا أبة بكر بن أبي شيبة. وزهير بن حرب، وأحمد بن عبدة الضبي، وابن أبي عمر، واللفظ لابن أبي شيبة قال ابن عبدة: اخبرنا وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمع عمرو جابر بن عبد الله يقول: كنَّا مع النَّبي في غزاةٍ، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين؟ فقا ل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بال دعوى الجاهلية! قالوا: يارسول الله، كسع رجل من الأمهاجرين رجلًا من الأنصار. فقال: دعوها فإنها منتنة» الحديث.
وقد عرفت وجه لدلالة هذا الحديث على التحريم، مع أن في بعض رواياته الثابتة في الصحيح التصريح بان دعوى الرجل: يا لبني فلان من دعوى الجاهلية. وإذ صح بذلك أنها من دعوى الجاهلية فقد صح عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» وفي رواية في الصحيح: «ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية» وذلك صريح في أن من دعا تلك الدعوى ليس مناع، وهو دليل واضح على التحريم الشديد. ومما يدل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا» هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد من طرق متعددة عن عتي بن ضمرة السعدي، عن أبي بن كعب رضي الله عنه، وذكره صاحب الجامع الصغير بلفظ «إذا سمعتم من يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولاتكنوا» وأشار لأنه أخرجه أحمد في المسند، والنسائي وابن حبان، والطبراني في الكبير، والضياء المقدسي عن أُبي رضي الله عنه، وجعل عليه علامة الصحة.
وذكره أيضًا صاحب الجامع الصغير بلفظ: «إذا رايتم الرجل يعزى» إلخ، وأشار إلى أنه أخرجه الإمام أحمد في المسند والترمذي، وجعل عليه علامة الصحة. وقال شارحه المناوي: ورواه عنه أيضًا الطبراني، قال الهيثمي: ورجاله ثقات، وقال شارحه العزيزي: هو حديث صحيح. وقال فيه الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني في كتابه: كشف الخفاء ومزي الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس ق لالنجم: رواه أحمد والنسائي وابن حبان عن أبي بن كعب رضي الله عنه. ومراده بالنجم: الشيخ محمد نجم الدين الغزي في كتابه المسمى: إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن فانظر كيف سمى النَّبي صلى الله عليه وسلم ذلك النداء عزاء الجاهلية وأمر أن يقال للداعي به «اغضض على هن أبيك» أي فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية. فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النَّبي صلى الله عليه وسلم له.
واعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد بن المغيرة، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة.
وقد بين تعالى لقوميتهم في آيات كثيرة. كقوله: {قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَآ} [المائدة: 104] الآية، وقوله: {قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ} [البقرة: 170] الآية، وأمثال ذلك من الآيات.
واعلم أنه لا خلاف بين العلماء- كما ذكرنا آنفًا- في منع النداء برابطة غير الإسلام. كالقوميات والعصبيات النسبية، ولا سيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من وَرائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية. فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضًا باتًا، على أن يعتاض من ذلك روابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضاَ مثلًا. فالعروبة لا ينكم أن تكن خلفًا من الإسلام. واستبدلها به صفقة خاسرة. فهي كما قال الراجز:
بدلت بالجمة رأسًا أزعرا ** وبالثنايا الواضحات الدردرا

كما اشترى المسلم إذ تنصَّرا

وقد علم في التاريخ حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده كما لا يخفى.
وفقد بين الله جلَّ وعلا في محكم كتابه: أن الحكمة في جعله بني آدم شعوبًا وقبائل هي التعارف فيما بينهم. وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة على غيرها. قال جلَّ وعلاك {يا أيها الناس إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وأنثى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لتعارفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13] فاللام في قوله: {لتعارفوا} لام التعليل، والأصل لتتعارفوا، وقد حذفت إحدى التاءين. فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله: {وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ} ونحن حين نصرح بمنع النداء بالروابط العصبية والأواصر النسبية، ونقيم الأدلة على منع ذلك- لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبِية لا تمت إلىلإسلام بصلة.
كما نفع الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعمه أبي طالب. وقد بين الله جلَّ وعلا أن عطف ذلك العم الكافر على نبيه صلى الله عليه وسلم من منن الله عليه. قال تعالى: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فآوى} [الضحى: 6] أي آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.
ومن آثار هذه العصبية النسبية قوله أبي طالب فيه صلى الله عليه وسلم:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسَّد في التُّراب دفينا

كما قدما في سورة هود.
وقد نفع الله بتكل العصبية النسبية شعيبًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما قال تعالى عن قومه: {قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} [هود: 91].
وقد نفع الله بها نبيه صالحًا ايضًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام. كما أشار تعالى لذلك بقوله: {قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بالله لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [النمل: 49] فقد دلت الآية على أنهم يخافون من أوليا صالح، ولذلك لم يفكروا ان يفعلوا به سوءًا غلا ليلًا خفية. وقد عزموا أنهم إن فعلوا به ذلك أنكروا وحلفوا لأوليائه أنهم ما حضروا ما وقع بصالح خوفًا منهم. ولما كان لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك حتى قال: {لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ} [هود: 80] وقد قدمنا هذا مستوفى في سورة هود.
فيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال، ولا سيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد، أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارة. نعوذ بالله من طمس البصيرة. أن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية الأواصر العصبية التي لا تمت إلى الإسلام بصلة، كما وقع من أبي طالب للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يؤيد هذا الدَّين بالرجل الفاجر» ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع. لأنها تشمل المسلم والكافر، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر، كما قال تعالى: {لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] الآية، كما تقدم.
والحاصل- أن الرابطة الحقيقة التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة لا إله إلا الله ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضًا، عطفت قلوب حملة العرش ومن خوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف.
قال تعالى: {الذين يَحْمِلُونَ العرش وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ واتبعوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الجحيم رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَآئِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم وَقِهِمُ السيئات وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم} [غافر: 7-9]. فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي رَبَطَتْ بين حملة العرش ومن حوله، وبين بني آدم في الأرض حتى دعو الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم، إنما هي الإيمان بالله جلَّ وعلا. لأنه قال علن الملائكة: {ويؤمنون به} فوصفهم بالإيمان. فدل ذلك على ان الرابطة بينهم هي الإيمان وهو أعظم رابطة.
ومما يوضح لك أن الرابطة الحقيقة هي دين الإسلام- قوله تعالى في أبي لهب عن النَّبي صلى الله عليه وسلم: {سيصلى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ} [المسد: 3] ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النَّبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وقد جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه: «سَلمان منا أهل البيت» رواه الطبراني والحاكم في المستدرك، وجعل عليه صاحب الجامع الصغير علامة الصحة. وضعفه الحافظ الذهبي. وقال الهيثمي فيه، عند الطبراني كثير بن عبد الله المزني ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وقد أجا من قال:
لقد رفه الإسلام سلمان فارس ** وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب

وقد اجمع العلماء: على أنا لرجل إن مات وليس له من القرباء إلا ابن كافر، إن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة. فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من البنوة التسبية.
وبالجملة، فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء، هي رابطة لا إله إلا الله فلا يجوز البتة النداء برابطة غيرها. ومن والى الكفار بالورابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [المائدة: 51]، وقوله تعالى: {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأرض وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] والعلم عند الله تعالى.
وبالجملة: فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاثة:
الأولى: درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات.
والثانية: جلب المصالحن المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات.
والثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيات والتتميمات. وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها.
فالضروريات التي هي درء المفاسد- إنما هي درؤها عن ستة أشياء:
الأول: الدين، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه باقوم الطرق وأعدلها.
كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب} [البقرة: 193]، وفي آية الأنفال: {وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} [الأنفال: 39] وقال تعالى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16]، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمرا أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله» الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم: «من بدل دينه فاقتلوه» إلى غير ذلك من الأدلة لى المافظة على الدين.
والثاني: النفس، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها باقوم الطرق وأعدلها. ولذلك أوجب القصاص درءًا للمفسدة عن الأنفس، كما قال تعالى: {وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ ياأولي الألباب} [البقرة: 179] الآية، وقال: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى} [البقرة: 178] الآية، وقال: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: 33] الآية.
الثالث: العقل، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه باقوم الطرق وأعدلها. قال تعالى: {يا أيها الذين آمَنُواْ إِنَّمَا الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] إلى قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91]. وقال صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام» وقال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» كما قدمنا ذلك مستوفى في سورة النحل وللمحافظة على العقل أوجب صلى الله عليه وسلم حد الشارب درءًا للمفسدة عن العقل.
الرابع: النسب، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه باقوم الطرق وأعدلها. ولذلك حرم الزنى وأوجب فيه الحد الرادع، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو موت. لئلا يختلط ماء الرجل بماء ىخر في رحم امرأة محافظة على الأنساب قال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]، ونحو ذلك من الآيات، وقال تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2] الآية. وقد قدمنا آية الرجم والأدلة الدالة على أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم. وقال تعالى في إيجاب العدة حفظًا للأنساب: {والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قرواء} [البقرة: 228] الآية، وقال: {والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] وإن كانت عدة الوفاة فيها شبه تعبد لوجوبها مع عدم الخلوة بين الزوجين.